الشيخ محمد هادي معرفة

52

تلخيص التمهيد

لم يتفوّهوا بذلك ولم يقولوا له : أنت أفصحنا ، فلذلك يتعذّر علينا ما يتأتّى منك . وأمّا احتمال التعمّل فباطل . لأنّه عليه السلام عارضهم في مدّة طويلة أكثر من عشرين عاماً يتحدّاهم طول المدّة . قال : وإذ قد ثبت أنّ القرآن معجز لم يضرّنا أن لا نعلم من أيّ جهةكان إعجازه . وأقوى الأقوال عندي قول من قال : إنّما كان معجزاً خارقاً للعادة لا ختصاصه بالفصاحة المفرطة في هذا النظم المخصوص ، دون الفصاحة بانفرادها ، ودون النظم بانفراده ، ودون الصرفة . وإن كنت نصرت في شرح الجمل « 1 » القول بالصرفة ، على ما كان يذهب إليه المرتضى رحمه الله من حيث شرحت كتابه ، فلم يحسن خلاف مذهبه . فأمّا الذي يدلّ على اختصاصها بالفصاحة المفرطة فهو أنّ كلّ عاقل عرف شيئاً من الفصاحة يعلم ذلك ، وإنّما في القرآن من الفصاحة ما يزيد على كلّ فصيح ، وكيف لا يكون كذلك وقد وجدنا الطبقة الأولى قد شهدوا بذلك وطربوا له ، كالوليد بن المغيرة والأعشى الكبير وكعب بن زهير ولبيد بن ربيعة والنابغة الجعدي ، ودخل كثير منهم في الإسلام ، ككعب والنابغة ولبيد ، وهمّ الأعشى بالدخول في الإسلام فمنعه من ذلك أبو جهل وفزّعه ، وقال إنّه يحرّم عليك الأطيبَين الزنا والخمر . فقال له : أمّا الزنا فلا حاجة لي فيه لأنّي كبرت ، وأمّا الخمر فلا صبر لي عنه ، وانظر فأتته المنيّة واخترم دون الإسلام . والوليد بن المغيرة تحيّر حين سمعه ، فقال : سمعت الشعر وليس بشعر ، والرجز وليس برجز ، والخطب وليس بخطب ، وليس له اختلاج الكهنة . فقالوا له : أنت شيخنا ، فإذا قلت هذا ضعفت قلوبنا ، ففكّر . وقال : قولوا : هو سحر ، معاندةً وحسداً للنبي . فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية « إِنَّهُ فَكَّرَ وَقَدَّرَ . فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ . ثُمَّ نَظَرَ . ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ . ثُمَّ

--> ( 1 ) . في كتابه « تمهيد الأُصول » شرحاً على القسم النظري من « جمل العلم والعمل » وقد طبع أخيراً سنة 1362 ه . ش . فيجامعة طهران ، وسننقل كلامه عند التعرّض للقول بالصرفة .